محمد الحنفي - الحبيب بفيس


محمد الحنفي أحد مؤسسي حزب الطليعة الديمقراطي الإشتراكي

الحبيب بفيس...

محمد الحنفي

لم أصادف في الصدق...
كما صادفت...
صدق الطلبة...
في قطاع طلاب...
حزب الطليعة...
صدق الشبيبة...
في حزب الطليعة...
صدق مروة بفيس...
في قطاع الطلبة...
في شبيبة حزب الطليعة...
إنني أعتز بمعرفتك...
مفتخر...
بأن تصير صديقا...
في واقعنا...
في مجرى الحياة...
حتى أحظى بالشرف...
بصداقة مروة بفيس...
حتى أتفاعل...
كشيخ في حزب الطليعة...
مع شاب لطيف...
يتحلى بنبل القيم...
نشتاق إلى رؤيته...
إلى زيارته...
لأسرتنا...
حتى نزداد معرفة...
بتاريخ...
نضال حزب الطليعة...
بمستقبل هذا النضال...
بما ينتظر...
من شبيبتنا...
حتى نتحرر...
حتى تتحقق...
ديمقراطية الشعب...
حتى يصير...
لقطاع الطلاب...
دور في تحقيق العدالة...
في توزيع الثروات...
وفي تقديم الخدمات...
ويصير بفيس...
من قادة حزب الطليعة...

العقلية الفقهية 5 - مقاومة التطور



بعد أن تمر فترة تاريخية طويلة على حضارة ما و هي في حالة انغلاق على نفسها ترفض -أو لا تستطيع- أن تتواصل مع العالم حولها، يسبب أي تواصل مفاجئ صدمة حضارية بسبب الفوارق الضخمة التي تنشأ عن قرون من التقدم على ضفة و قرون من الركود على الضفة الأخرى. هذه الصدمة هي ما حدث لحضارتي الإنكا و الآزتك، فكان مصيرهما الدمار الكلي على يد الأوروبيين المتفوقين عسكريا و تقنيا -شمل تفوقهم حتى المناعة ضد أمراض معدية- ، و هي ما حدث أيضا لليابانيين أمام الأوروبيين و الأمريكيين المتفوقين تقنيا و عسكريا، فأدى بهم إلى فهم الحقيقة و تقبلها ثم التطور السريع و تبني مكتسبات الغرب العلمية و التقنية و الفكرية . لكن ما حدث للحضارة الإسلامية كان مختلفا، يجمع بين الحالتين السالفتين و لكنه يختلف عنهما في النتيجة.
بعد فترة من الانغلاق قاربت أربعة قرون، كانت أوروبا تتطور فيها و تعرف الثورة تلو الثورة في السياسة و الفكر و الصناعة و الاقتصاد، اصطدم عالم الحضارة الإسلامية المنهارة بعالم الحضارة الغربية المزدهرة، و حدث هذا الاصطدام على مرحلتين. المرحلة الأولى كانت في أواسط القرن التاسع عشر، حين سافر بعض الطلبة من مصر و المغرب إلى أوروبا، و رأوا تقدمها و حضارتها و قارنوها ببلادهم، فظهر لهم الفرق جليا، و عادوا و كتبوا عما رأوه و ما عايشوه و عما دار في خواطرهم من المقارنات بين الداخل و الخارج. كانت تلك الصدمة الأولى ، و كان أثرها على المجتمع الاسلامي عموما أثرا خفيفا ، لم يتجاوز بعض المتنورين و الداعين إلى الإصلاح. أما المرحلة الثانية، و كانت الأشد وطأة ، هي المرحلة الاستعمارية ، و التي بدأت مع الحملة الفرنسية على مصر ، ثم ما تبعها من استعمار انجليزي لمصر و الشام و استعمار فرنسي للمغرب و تونس و الجزائر. عند هذا الصدام الذي لم يخل من الدموية، اتضح للشعوب الاسلامية مدى الوهم الذي كانت تعيش فيه، و الذي كان الفقهاء يسوقونه لها، حيث كانت تظن نفسها خير أمة و أنها أكثر الشعوب تحضرا و رقيا و أن كل من سواها من الآخرين/الكفار ليسوا سوى همج لا يكادون يعرفون عن الرقي و العلوم شيئا يذكر لأنهم في الأصل لم يتبعوا الدين الصحيح، دين أمة الله المفضلة، و انبرى أولئك المثقفون الذين سافروا إلى أوروبا و عاشوا في بلاد المستعمر، ابروا يوضحون حقائق الأمور لشعوبهم، و قد انتشرت بينهم فكرة مفادها أنه بعد الاستقلال و خروج الاستعمار الأجنبي، فإن هذه المجتمعات التي وعت تخلفها و عرفت أسبابه و عاينت مكامن الخلل فيها من خلال احتكاكها مع حضارة أخرى أكثر تطورا، ستقوم هي الأخرى بتطوير نفسها و اللحاق بركب التقجم و الإنسانية، و أنها لن تقبل بالبقاء في مؤخرة الأمم بعد ذلك.
لكن اليوم، و بعد مرور عقود طويلة على جلاء المستعمر، نرى أن هذه الشعوب لم تتقدم قيد أنملة، فلا هي تنتج الفكر و العلوم، و لا هي امتازت في الفنون ، و لا هي تفوقت في التنظيم و الإدارة … بل لم تلبث هذه الشعوب أن ازدادت تخلفا و انغلاقا بعد رحيل الاستعمار، فانتشرت الأمية و سادت الرجعية و الظلامية و الفكر السلفي الذي يقدس الأجداد و ماضيهم. يبدو أن شعوبنا، حتى بعد أن اصدمت بواقعها إبان الاستعمار لم تستطع الانعتاق من العقلية الفقهية، فالشيوخ و الفقهاء لم يكذبوا بخصوص كون مجتمعاتهم متخلفة، بل واجهوها بذلك -ولاموها عليه- ، و لكنهم كذبوا حين أرادوا أن يشرحوا للشعوب أسباب تخلفها عن طريق الفقه مرة أخرى، فبرزت مجددا مبررات سقوط بغداد على يد هولاكو، لتشرح سقوط القاهرة و تونس و دمشق و فاس و وهران في يد الجنرالات الأوروبيين، فالاستعمار عقاب من الله على ذنوبنا، و التخلف سببه الوحيد هو عدم تطبيقنا لشرع الله و أوامره . لم تستطع مجتمعاتنا التخلي عن العقلية الفقهية القدرية، التي لا تتعب نفسها للبحث عن تفاسير علمية للواقع، بل تفسر كل شيئ على أنه قضاء من الله و قدر مكتوب، فانتقلنا من الفكرة التي كانت سائدة أيام انغلاقنا ، و التي مفادها أننا سادة العالم و ملاكه و خير أممه و هذا هو قدرنا و قضاء الله لنا، فلا نحتاج إذن إلى الجركة بحرية، و لا إلى الانفتاح على الآخر و التعامل معه ، انتقلنا من هذه الفكرة إلى فكرة أخرى جديدة، لكنها لا تختلف عما سبق، فأصبحنا نعي أننا أمة متخلفة بسبب ذنوبها و الغرب متقدم -لا يذكر أحد من الفقهاء السبب في التقدم- و هذا هو القضاء و القدر و ما كتبه الله علينا، فلا نحاول تغيير قدرنا بل نستسلم له و نجلس حيث نحن نتذكر أمجاد الماضي و نقتات عليها. حتى الاستعمار و صدمته الحضارية لم يؤثر فينا كما أثر في الهند و الصين و اليابان و كوريا، بل أدة إلى نتيجة عكسية تماما، فبعد أن كنا ننتج القليل بفلاحتنا البدائية في البوادي و صناعتنا الجنينية في المدن، صارت بوادينا لا تنتج لنا بل للخارج الذي نعيد استيراد ما صدرناه إليه منه ، و صارت مدننا غابات من الاسمنت و الصفيح ، يكسوها قشر المدنية و التقدم ، لكن جوهرها يؤوي التخلف و الانغلاق، و صرنا لا نستهلك إلا ما يأتينا من الخارج جاهزا معلبا ، سواء كان فلاحيا أو صناعيا أو فكريا، و بعد أن كان لنا سيد واحد هو الخليفة ظل الله في الأرض، صار لنا أسياد لا يعدون و لا يحصون من البورجوازيين و الطغاة المحليين إلى كبار رأسماليي العالم الطين صاروا يملكون رقابنا بأسلحة المال و الاقتصاد.
إن العقلية الفقهية لا تزال حتى اليوم مسيطرة على مجتمعاتنا، حينما نجلد الناقدين، و نغتال المفكرين، و نسجن الكتاب، و حين نرفض الديمقراطية و ندعو الى قوانين القرون الوسطى، حين نهمش المرأة و نرفض مساواتها بالرجال، حين نقدس الحاكم و نضعه في موضع الله … و لا حل لنا للانعتاق من هذه العقلية إلا بشيئين اثنين : الحرية و الانفتاح.

محمد بنموسى، كاتب و باحث

العقلية الفقهية 4 - عامل للركود



يكمن خطر العقلية الفقهية في أنها تقضي على العاملين الذين ذكرناهما كأساس لاستمرار الحضارة و تطورها: الانفتاح و الحرية.
ينظر الفقهاء إلى العالم بأسره بمنظار مقسم إلى قسمين: المسلمون و غير المسلمين. المسلمون خير أمة، أحباء الله الذين سيخصهم بجنته و برؤية وجهه، و كل من سواهم ، أيا كان لونه أو دينه أو ثقافته، هو الآخر المغضوب عليه، الضال الذي يعيش في ظلمة الـ "لا إسلام"، الجاهلي الذي لم يدخل بعد في مظلة الدين الوحيد الصحيح. هناك الداخل/الأمة/دار الإسلام ، و هناك الخارج/الكفار/دار الحرب ، و ليس بين هذين القسمين لون رمادي أو منطقة محايدة. و هذا الآخر/دار الحرب -حتى التسمية ذات دلالة عدائية مباشرة - هو عدو محض، يقضي كل يومه أو معظمه يخطط و يفكر لتدمير المسلمين الأطهار و إلحاق الهزيمة بهم حسدا منه و غيظا، فما الحل إذن عند الفقهاء؟
الحل عندهم هو أن نغلق علينا الداخل/الأمة في وجه مؤامرات و أفكار الخارج/الكفار، فلا نتعامل معهم، و لا نراهم و لا يروننا ، إلا في الحدود الدنيا التي تقضي بها الضرورة القصوى. و قد توسعت هذه الحدود بمرور الزمن و تقدم الغرب الكافر، فقد كانت في البداية ضيقة للغاية لا تتجاوز التعامل مع الكفار عبر الموانئ للتجارة و تبادل البضائع، ثم توسعت حتى صارت اليوم تشمل استيراد مخترعات الغرب و ارسال الطلبة إلى البلدان الأجنبية لدراسة علوم الكفار، و الاعتماد على التقنية الغربية الضرورية في كل مجالات الحياة ، و لكن النظرة خلف هذه الحدود التي توسعت بقيت هي نفسها: الغرب الكافر يحيك المؤامرات ضدنا و يخطط لتدمير الإسلام و كل ما يفعله هو نتيجة لعدائه لدين الله القويم، فلا يجب أن نذهب خلف حدود التجارة و التكنولوجيا، لا يجب أن ننظر إلى أفكار الغرب أو ثقافته و لا إلى مفكريه و فلاسفته و لا إلى نظمه السياسية المتقدمة و قوانينه التي تكفل حقوق الجميع على حد سواء. و هكذا، دمرت العقلية الفقهية عامل الانفتاح، فأصبحنا في سجن أغلقناه نحن على أنفسنا ظنا منا أننا نحتمي من الآخر/الكافر، و صرنا عاجزين على نرى في هذا الآخر نواقصنا و عيوبنا لنصححها كما هي سنة التاريخ، و كل من تجاوز الحدود و حاول استيراد شيئ من عند الآخر/الكافر يظهر به تقهقرنا و تقدمهم، يواجه تهم الضلال و "التغرب" و ربما العمالة و الخيانة.
و الخاصية الثانية التي تميز نظرة الفقهاء للعالم، هي أنهم يرون أنفسهم الممثلين الحصريين للداخل/الأمة ، و كل من خالفهم الرأي أو الفعل،و إن كان من المسلمين المخلصين، فهو خارج الدائرة، و ليس هناك خارج الدائرة سوى الآخر/الكفار ، و أدى هذا إلى دمار الحرية، حرية النقد و حرية البناء خارج الدائرة الضيقة للنظرة الفقهية، فكل من ينتقد مارق، و كل من يجادل زنديق، و كل من يجدد مبتدع ، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة في النار، النار التي هي نفسها مصير كل الآخرين/الكفار.
و هكذا، أدى غياب الانفتاح إلى طمس الحرية، و أدى المزيد من طمس الحرية إلى مزيد من الانغلاق، و هكذا دواليك، حتى صرنا في زنزانة محكمة الإغلاق، و داخل هذه الزنزانة، لا يحق لنا التساؤل عن سبب سجننا و لا التفكير في طريقة للهرب من السجن.

محمد بنموسى، كاتب و باحث

العقلية الفقهية 3 - نشوء العقلية الفقهية



كان سقوط بغداد بعد منتصف القرن الثالث عشر للميلاد ضربة معنوية كبيرة للحضارة الإسلامية، فبغداد كانت رمزا للسلطة المركزية التي توحد أقطارا واسعة ، و لكنها كانت في الوقت نفسه مركزا للعلوم و الفنون، حيث راكمت منذ بنائها في أواخر القرن الثامن مكتسبات عديدة ، فاجتمع فيها الفلاسفة و المفكرون و العلماء من كل صوب و حدب، و كثرت فيها المكتبات و دور النسخ و المدارس و المراصد الفلكية، فشكلت رمزية مهمة في العقل الجمعي للمقيمين في مجال الحضارة الإسلامية ، و امتد ذلك إلى من حولهم. و قد جاء سقوط بغداد أساسا بسبب الحملة العسكرية المغولية التي قادها هولاكو، لكن إرهاصات هذا السقوط كانت قد بدأت بالظهور فترة قبل هذه الحملة، فكثرت الصراعات الطائفية بين السنة و الشيعة و تحول بعضها إلى حروب أهلية، و ضعفت السلطة المركزية بسبب وجود خلفاء غير أكفاء على رأس الامبراطورية.
و بعد هذا السقوط، و الصدمة التي أعقبته، فقدت الحضارة الإسلامية مركزا علميا و ثقافيا مهما و أحست بدنو أجلها، فسلكت طريقا آخر لتحاول فهم ما حدث لها ، و هو طريق الفقهاء و رجال الدين. كان هؤلاء من المعادين للكثير من الفلاسفة و العلماء الذين اشتغلوا في بغداد و غيرها من الحواضر الإسلامية، و كانوا يرون أن حياة الترف و هامش الحرية الواسع الذي شمل الفنون و وسائل اللهو و الترويح عن النفس كالموسيقى و التشخيص و الرسم ، كانوا يرون ذلك بدعة محرمة و مروقا من الدين و تمنوا لفترة طويلة زواله، و كثيرا ما كلموا الملوك في ذلك، فكان لهم أحيانا ما أرادوا و أحيانا أخرى كانوا يرجعون خاليي الوفاض. و بعد سقوط بغداد، سارعوا إلى محاولة تفسير الكارثة التي حلت بالحضارة الإسلامية، لا تفسيرا علميا منهجيا يعطي الأمور قدرها، و يوضح أن ضعف الإدارة و غياب الرؤية و الاستراتيجية و التجهيز كانا السبب الرئيسي فيما حدث، بل ركزوا على أمرين اثنين ، أولهما قولهم أن تفشي المعاصي و البدع و الملاهي هو السبب الأهم في نكبة بغداد، فأخذوا يخطبون في الناس بأن انتشار الحانات و الغناء و اللهو و دور الدعارة و بدع الصوفية و الشيعة هو سبب سقوط بغداد، و الثاني قولهم أن الشيعة هم الذين تسببوا في سقوط بغداد بتآمرهم مع المغول و خيانتهم لاهل السنة و الجماعة ، و استدلوا على ذلك بشخصية الوزير ابن العلقمي الذي كان شيعيا جعفريا ، فقالوا أنه أضعف الجيش و سهل دخول المغول ، ليس لأنه كان فاشلا في الإدارة أو لأنه كان مختلسا أو لأنه وظف الجيش في صراعاته الشخصية، بل فقط لأنه كان شيعيا. و هكذا، أخذت العقلية الفقهية تعمي عن الناس الأسباب الحقيقية لمشاكلهم و مآسيهم، و تنسب هذه المآسي إلى البعد عن الله و إلى الآخر-العدو الذي يتربص بالمسلمين الأتقياء الدوائر و يعد العدة و يغتنم الفرصة للانقضاض عليهم. و هذه الدعوة في حقيقتها ليست دعوة للناس إلى طريق الله و اتباع الدين ولا دعوة إلى مناقشة الفكر الآخر ، سيعيا كان أو غير ذلك و مواجهته بالحجة، بل هي في العمق دعوة للناس كي يرتموا في أحضان الفقهاء، فهم الوحيدون الذين خول لهم معرفة طريق الله الذي سيعيد المسلمين إلى مجدهم، و هم الملجأ المضاد الوحيد للمسلمين كافة ضد الشيعة و الصوفية و اليهود و ضد الدنيا كلها ، الدنيا التي تكره المسلمين و تريد دمارهم. و هكذا ، فقد استخدم الفقهاء نفس أساليب تجار الحروب و الأزمات الذين يستغلون خوف الناس و هلعهم من المجهول و هزيمتهم لكي يسوقوا منتجاتهم، فحرض الفقهاء الرعب في نفوس الناس و استغلوا صدمة الهزيمة لكي يسوقوا هم أيضا منتجهم، و كان منتجهم هو الفقه. من هنا ولد اللجوء إلى الفقهاء عند كل مصيبة ، و طلب رأيهم و فتواهم في كل شيئ حتى فيما لا يخصهم و لا ينتمي إلى مجال علمهم و عملهم، و هو ما يمكن أن نسميه بـ "العقلية الفقهية" التي دمرت الحضارة الاسلامية في أقل من قرنين، و جعلت الأقطار المنتمية لمجال هذه الحضارة بلدانا راكدة جامدة لا تشارك في صناعة التاريخ، بل ترفض حتى أن تراه و هو يمر بجانبها مسرعا بينما هي واقفة عاجزة عن اللحاق به.

محمد بنموسى، كاتب و باحث

العقلية الفقهية 2 - ما قبل العقلية الفقهية



عاشت الحضارة الإسلامية أوجها إبان ما يعرف بالعصر الذهبي، أي ما بين القرنين الثامن والخامس عشر للميلاد، وهي الفترة التي عرفت تطورا عظيما في إنتاج المعرفة و العلوم و الفلسفة، في شتى المجالات في المناطق التي حكمتها الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة في الشرق الأوسط ووسط آسيا وشمال إفريقيا و الجزيرة الإيبيرية، و قد كان ازدهارها عائدا بالأساس إلى العاملين الذين ذكرناهما آنفا: الحرية و الانفتاح. فقد عرفت هذه الفترة هامشا كبيرا من حرية التفكير و الكتابة، و حرية الاختراع و التطوير -و إن كانت قد عرفت فترات متقطعة من القمع الفكري- بدعم من الخلفاء الذين كانوا يميلون إلى دعم العلماء و المخترعين و يحرصون على أن يشركوهم في مجالسهم و يدعموا مشاريعهم، بل و كانوا يحبون أن ينظموا المناظرات بين أصحاب الأفكار المختلفة في مجالسهم و يستمعوا إلى كل طرف دون أن يقمعوا أحدا،فكانوا يقيمون المناظرات بين قادة الطوائف الدينية المختلفة المسلمة منها و غير المسلمة، و يقيمونها بين أصحاب المذاهب الفكرية المتعددة من معتزلة و أشاعرة و صوفية و غيرهم ، و كان المجتمع عموما يتقبل وجود هذا الاختلاف و لا يستنكر هذه الحرية على أحد، حتى و إن كان يضرب في أصول المعتقد الإسلامي كالمعري و الرازي و غيرهم. و أما الانفتاح، فقد كان أصل هذا التقدم العلمي و الثقافي، إذ أن صعود نجم الحضارة الإسلامية بدأ بحركة الترجمة التي قادها المسلمون و غير المسلمين من السريان و اليهود و الفرس، فأخذوا ينقلون مؤلفات الهند و بلاد فارس و اليونان و السريان و الأقباط إلى العربية، و يعرفون الناس عليها، ثم لم يكتفوا بذلك ، بل عكف بعضهم كالكندي و الفارابي على التعليق على هذه الأعمال القيمة و شرحها و إثراء محتوياتها، حتى صارت هناك فلسفة إسلامية مستقلة، تنهل من الفلسفات اليونانية و الهندية و غيرها . و إن كان هناك دائما من اعترض على نقل مؤلفات "الكفار و الزنادقة" و رفض انفتاح المجتمع على ما هو جديد عليه، إلا أن الحرية السائدة التي ذكرنا بعض مظاهرها سمحت بتجاوز هؤلاء، فأدى المزيد من الانفتاح إلى مزيد من الحرية حيث صار الخلفاء و الملوك أنفسهم مهتمين بالعلوم و الفلسفة ، بل إن بعضهم تبنى مواقف فلسفية و دينية متأثرة أشد التأثر بالفلاسفة اليونانيين و دافع عن الفلسفة و المشتغلين بها كموقف الخليفة المأمون الداعم للمعتزلة . و هكذا ، فإن الحرية تكفلت بحماية الإنفتاح، و الإنفتاح أعطى هامشا أوسع للحرية، فنتج عن ذلك الازدهار و التقدم في مختلف المجالات.

محمد بنموسى، كاتب و باحث

العقلية الفقهية 1 - ماذا تحتاج الحضارة كي تستمر ؟



الجواب على هذا السؤال بحاجة إلى دراسة طويلة لتاريخ المجتمعات والحضارات البشرية، لكن يمكن اختصاره في آخر المطاف بكلمة واحدة : التطور. ربما تختلف ظروف نشأة الحضارات إما بسبب اختلاف المناخ أو الأرض أو الظرف التاريخي، و تختلف بنفس الدرجة أسباب انهيار كل حضارة من الحضارات البائدة، من الحروب إلى المجاعات إلى الهجرة … لكن بقاء حضارة ما على قيد الحياة و استمرارها في الوجود و صناعة التاريخ يرجع أساسا إلى استمرارها في التطور و التجديد. التطور يعني الحركة ، و هو عكس الجمود و الركود ، و الركود مرادف الموت والزوال، لأنه الطريق المباشر إليهما. و كل الحضارات التي بادت و لم يتبق منها اليوم إلا أثر بعد عين، دمرها الركود و انعدام الحركة وعدم تطويرها لما بين يديها من أدوات الحياة و وسائلها مادية كانت أو فكرية.
والتطور والإبداع ليستا ميزتين يولد الإنسان حاملا لهما ، فلم يولد أحد مفكرا أو مجددا أو مخترعا ، بل إن هناك عوامل عدة تشكل المناخ الذي يحث الناس من مختلف الفئات على أن يصيروا مبدعين ، ما يدفع الحضارة التي يعيشون في ظلها إلى التطور والاستمرار. و أهم هذه العوامل في نظري هي الحرية: حرية أن ننتقد القديم و ندرس عيوبه ومحاسنه، و حرية أن نفكر في الجديد مهما كان غريبا أو صادما، ثم حرية أن نعوض القديم بالجديد ، الذي يدفع عجلة الحياة إلى الأمام، ثم ما يلبث بدوره أن تظهر عيوبه، و يصير هو الآخر قديما ، فنفكر في جديد آخر ليحل محله … وهكذا دواليك . إنها دورة تتغذى على الصراع بين القديم الذي أدى دوره و انتهى وقته وبين الجديد الذي ينتظر لحظة ميلاده و يحمل معه آفاقا جديدة ،دورة لا تنفك تتجدد لتجدد معها روح الحضارة و جوهرها، و تحرك حياة الانسان قدما. والعامل الثاني هو الانفتاح، لأن الإنسان بطبعه كائن يعتمد على بني جنسه، فلا يستطيع بناء الحضارة إلا إذا نهل من الحضارات التي حوله أو التي يحتك بها سواء بفعل المبادلات التجارية أو الحروب أو علاقات النسب و غيرها ، و هكذا فإن الحضارة الأوروبية أخذت الكثير من منجزات الحضارة الاسلامية -على ما في هذه التسمية من تجاوز يحتاج شرحه إلى تحليل مستقل- و الحضارة الإسلامية أخذت بدورها الكثير من الحضارة اليونانية، التي أخذت هي الأخرى كثيرا من الفينيقيين الذين أخذوا من المصريين … فلا توجد حضارة نشأت بمفردها منعزلة عمن حولها، و الأمثلة النادرة التي تحقق فيها ذلك فعلا -كمثل حضارات جزر المحيط الهادي- سرعان ما فقدت قدرتها على البقاء و التقدم. فعندما تحتك حضارتان ببعضهما، ترى كل منهما في الأخرى ما ينقصها، ماديا كان أو معنويا، فتتبناه و تبني عليه لتسير إلى الأمام و تستمر في الحركة ، و تعرف من خلالها عيوبها و قصورها في مجال معين، فتصححه و تحسن أداءها فيه ، فالانفتاح على الآخر و قبول التعامل معه بإعطائه و الأخذ منه هو سر من أسرار تطور الحضارات و بقاءها.

محمد بنموسى، كاتب و باحث

عشرون سنة






هي عشرون سنة تركت فوق جسده أثار النذوب التي لا يمكن لزمن أن يمحوها. الناظر إليه يبصر رجلا في منتصف عقده الثالث، مستلق تحت شجرة أخضرٌ لون أوراقها، ذو لحية سوداء خفيفة، له بنية جسدية قوية. كان يرتدي قميصا أخضرا و سروالا عسكريا متبوعا بحذاء صمم للأراضي الوعرة. الناظر إليه مجددا يبصر ذاك الرجل الذي يبدو عليه الإنهاك، باحثا في ظل شجرة عن بعض السكينة ثم عن بعض الهدوء. لا يمكن بأي حال من الأحول معرفة ما يجول في عالمه، لا يمكن بأي طريقة من الطرق معرفة متى أصابته النذوب، لكن الناظر إن هو أصبره بشدة، قد يلحظ أنه جندي عاش أثون الحروب، جندي سرق لحظات زمن يعيش فيها سلاما غاب عنه، قد يخفي الإنسان ما يخفي لكن الجسد يفضح أسراره الدفينة. الجسد بإنكساراته و جِراحه يروي قصصا كتبها الزمن دون أن يأذن له الجسد بذلك، الزمن مستمر في فعلته بينما يبقى الجسد صامدا إلى حين. ذاك الرجل رغم أن عينيه مغمضتين فتح لنا باب عالمه، شاركنا رحلته عبر الماضي، كأنه يريد أن يقاسيمنا قصته عساه يجد مزيدا من السكينة. هي عشرون سنة عادها نحو أبعد نقطة يتذكر فيها اللحظة الفارقة في حياته.
إنه الجندي الطفل في ربيعه الرابع عشر، إستيقظ ذات صباح و أمه الحنون تناديه، النداء لم يوضح إسم صاحبنا، لكن صوت الأم يمحو عن الإنسان كسله. نادته تسأله أن يحضر الخبز الساخن من فرن القرية القريب من منزلهم، بعد إستقاظ و غسل توجه صوب الفرن، والده كعادته كان قرب باب المنزل ينحث في الخشب مجسمات تثير فرح الناظر إليها. الأب كان في عقده الرابع، رغم بعض البياض فوق شعره لكنه ذو شباب أكيد، أمه كانت تتنقل بين أرجاء المنزل ترسم له الحياة، رغم أنها أنجبت ثلاث أطفال، أكبرهم صاحب قصتنا. لا زالت ذات شباب مثير في عقدها الثالث، لازالت مصدر الحياة كله، الأب كان يناديها نور، لا أعلم هل هو إسمها أم أنه يراها نورا ينير ظلمات دربه. خرج الفتى يبحث عن الخبز الساخن. أعتقد أن الخبز كان له دوره في ثورية العالم. الجياع يثورون، الفقراء يثورون، لا أتذكر أن من كان له فائض خبز قد ثار ضد العالم. ككل الأطفال تأمل زرقة السماء، تأمل بستان أمه ثم توجه صوب المخبزة القريبة. في المخبزة شيخ عجوز إعتاد إعداد الخبز كما إعتداد أجداده فعله قبله، كان يعد الخبز بحب كبير، أعتقد أن أهل القرية كانوا عائلته بعد أن صار وحيدا في هذا العالم. الطفل إشترى الخبز حسب ما طلبته أمه، عاد بفرح صوب منزله. السماء تغير لونها، طيور أبابيل ضخم حجمها حجبت نور الشمس، رفع الطفل بصره نحو السماء مندهشا مصدودما، السماء حجبها عملاق ليس له مثيل سوى في قصص النوم التي تصف وحشا يلتهم السماء الأولى. لم تمر لحظات حتى بدأت الإنفجارات تحل تباعا بدل هدوء كان السمة التي ميزت حياة القرية الصغيرة. ركض الطفل خائفا صوب منزله، وجده مدمرا تشتعل به نيران ذات إحمرار مريد، تاهت عنه قدرة الصراخ، دموع تنهمر بشدة، توجه صوب عالمه المنهار، حياته إنقلبت في لحظة فارقة، قصف يتجدد، صواريخ تصيب الأماكن جميعها. الأحمر صار يغزو إخضرار الأرض و زرقة السماء، دماء و نيران مشتعله. رائحة الموت عمت المكان كله. توجه صوب منزله أراد إقتحام النار عساه يستعيد عالمه. الزمن لم يمهله إنفجار أخر قذفه بعيدا. كاد أن يجعله قصة منسية غير أنها إمرأة محاربة تدخلت تنقذه.
إستفاق الجندي، أخذ سلسلة فضية كانت حول عنقه بها صورة يبدو عليها القدم، نظر إليها، تذكر تلك المرأة. وددت لو أحكي لكم المزيد غير أنه لم يرد الإستمرار في سرد حكايته، إنه يتأمل الصورة بحزن شديد. قام من مكانه، حمل بندقيته ثم رحل بعيدا.

صور

فيديو