المواضيع
recent

اليزيد البركة - نحو هدم البناء الهيجلي؟ الحلقة 2


عندما كتب ماركس نقد فلسفة الحق عند هيجل كان قد انفصل عن مثالية هذا الأخير ولكنه ما يزال متأثرا بفكر الهيجليين الشباب ، والعبارة الواردة في المقالة السابقة توضح ذلك . قبل أن أتناول الانقلاب الكبير الذي أحدثه ماركس وأنجلس ضد الفكر المثالي والذي سيكون موضوع المقالة القادمة لابد من شرح سياق تلك العبارة وما نتج عنها من آثار نحو هدم البناء المثالي الهيجلي .
كما قلت سابقا، العبارة قيلت من طرف فلاسفة آخرين بصيغ أخرى فهذا هينريش هين في مقالة له عن لودفيج في 1840 قال : "مرحبا بالدين الذي يصب في كأس معاناة النوع الإنساني المر بعض القطرات المخدرة والحلوة من الأفيون الروحي: قطرات من الحب، من الأمل والإيمان" لكن عبارته تحمل الكثير من التعاطف والإيجابية وغارقة في المثالية. بعده سيأتي موسيس هيس سنة 1843 ويقول: "إن الدين يساعد الإنسان في تحمل عذاباته وبؤسه، بنفس القدر الذي يساعد الأفيون الإنسان العليل على تحمل أوجاعه " لقد ربط هيس هنا الدين بالواقع ولكنه لم يتقدم إلا قليلا في التحليل ولم يظهر من عبارته الجانب الجدلي الذي نجده في عبارة ماركس ( أنظر العبارة في المقالة السابقة ) .
ماذا تمثل الهيجلية عندما تصدى ماركس وأنجلس لتحليل الدين ؟
لقد تربعت الفلسفة الهيجلية في عقول رواد البورجوازية البروسية – الألمانية وتزامنت مع طفرتها الاقتصادية والتقنية وكانت عبارة هيجل الشهيرة : " كل ما هو واقعي عقلاني ، وكل ما هو عقلاني واقعي " شعار النخب البورجوازية في السياسة والقانون والاقتصاد والدين أيضا ، وأصبحت مثالا للدولة الحديثة العصرية المقامة أو التي ستقام وأساسا للحكم الواقعي العقلاني المطلق وقد تبنت حتى الملكية البروسية- التي استوعبت البورجوازية - الفلسفة الهيجلية .
فشلت البورجوازية أمام تعقد الواقع وتنوعه وتصدع التوليفة المثالية بين الفكر والواقع بحيت كان يتحكم الأول في الثاني بقسر وتعسف وظهرت الحاجة في الواقع لنقد الفكر الهيجلي وما كان أن يقوم بهذه المهمة سوى تلاميذ هيجل نفسه وسموا بالهيجليين الشباب . وكان الجانب المثالي المتحكم في المادي وفي التاريخي من بين العوامل الأساسية في أن يتصدوا للدين ، وهكذا ظهر كتاب دافيد شتراوس " حياة يسوع " وفيه أنكر الوحي الإلهي واعتبر المعجزات مجرد أساطير، وقد أحدث الكتاب ضجة واستقبله الهيجليون الشباب بحماسة كبيرة ووتتالت الإصدارات ككتب أو كمقالات في مختلف البلدان التي عرفت نهوضا صناعيا وطبقة عاملة وبالتالي مثقفين من طراز جديد مثل برونو بوير وفيورباخ خاصة في كتابه سنة 1839 " نقد الفلسفة الهيجلية " و " جوهر المسيحية " في 1841 و فيهما عرى أسس الفكر المطلق عند هيجل واستخلص من ذلك نتائج كان لها أثر كبير على كل المثقفين الشباب مثل أن "الحقيقة هي الانسان وليس العقل المجرد ، يشكل بداية الدين وأواسطه ومنتهاه" و "ليست الأفكار سوى انعكاس للطبيعة" و "قاعدة كل أخلاق هي أنا وأنت" ...... 
فيما بعد قال ماركس تعليقا على المرحلة التي صدرت فيها كتب فيورباخ في إحدى رسائله : " في ذلك الوقت كنا جميعا فيورباخيين ". وليس هذا فقط بل بالرغم من الدور الفعال الذي لعبه ماركس وأنجلس في تعرية أسس الهيجلية لم ينس دور هيجل في الجدل بالرغم من أنه كان بلباس مثالي . 
في 1844 عندما صدر كتاب ماركس حول نقد فلسفة الحق عند هيجل وكان من الهيجليين الشباب كانت بروسيا تمر بتحولات سريعة وكانت آمال عدد من هؤلاء الشباب ينظرون إلى الملكية فيها بعين الرضا خصوصا وأن الملك وسع كثيرا من حرية التعبير لكن بسرعة تم التراجع عن تلك السياسة وصودرت المجلة الرينانية وهنا انقسم الهيجليون الشباب بين اتجاه يريد التفرغ للفكر بزعامة برونو بوير الذي يقول بأن الخلاص يحتم بالعودة إلى التأمل والفكر وأن النقد الذي يسميه ماركس النقد النقدي يكفي للتغيير ، وبين إتجاه آخر بزعامة ماركس وأنجلس لم يغادر الحياة الواقعية ولهذا فإنهما ربطا الدين بالواقع في حياته الملموسة والمجردة على السواء وهذا ما قادهما إلى الجانب المادي والتاريخي للموضوع في كل مرحلة تاريخية وفي مكان محدد بحيث كما يصر أنجلس على ترديده في مناسبات عديدة على سبيل المثال : لا يمكن تطابق الدين في بلد يستعمر شعبا مع دين لشعب مستعمر. 
هذه الطفرة في نظرة الاشتراكية للدين والتي سيقودها ماركس وأنجلس هي موضوع المقالة المقبلة.
يزيد البركة من مواليد تارودانت.المغرب سنة 1945 .
باحث وصحافي.أســتـاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق بالدار البيضاء
MARWA BIFISSE

MARWA BIFISSE

يتم التشغيل بواسطة Blogger.