اليزيد البركة - الدين و الصراع الطبقي الحلقة 8



كل الاشتراكيين الذين انغمسوا في الصراع الطبقي، حافظوا في الصراع مع البنية الفوقية ومنها الدين على المبادئ الأساسية للنظرية الاشتراكية ، وإذا كانوا كلهم متفقون على عدم إعلان الحرب على الدين أو إعلان الإلحاد أو النضال من أجل منعه أو تحقيره إلا أن بعض القضايا التفصيلية حصلت فيها اختلافات والتي فرضتها الأوضاع المختلفة لكل بلد وتاريخ  ذلك البلد مع الدين . 
في ألمانيا هناك أولا تأثير أنجلس الذي ألف كتابا حول حرب الفلاحين في ألمانيا ، وكانت تلك الحرب ضد الإقطاعية تؤطرها إيدولوجيا دينية وكان لهذا الكتاب دور هام في تقريب العمال والفلاحين في ألمانيا ، بنفس الدقة العلمية التي حلل بها الحرب حلل أيضا التناقضات وسط رجال الدين والكنيسة وبين أن هناك تناقضات بين الطرفين : " لكن انجلز بفضل منهجه الذي يؤكد علي الصراع الطبقي ، قد أدرك - خلافا لفلاسفة التنوير - أن النزاع بين المادية والدين لا يتطابق دائما مع الصراع بين الثورة والرجعية . فنحن نجد ، علي سبيل المثال ، في إنجلترا في القرن الثامن عشر ، أن المادية ممثلة في شخص هوبز قد دافعت عن الملكية المطلقة في حين أن الشيع البروتستانتية قد استخدمت الدين كراية لها في النضال الثوري ضد آل ستيوارت " ويضيف : " فخلال زمن الإصلاح ،كان علي أحد الجانبين كبار رجال الدين ، القمة الإقطاعية للهيراركية، وكان علي الجانب الآخر صغار رجال الدين ، الذين جاء من بين صفوفهم إيديولوجيو الإصلاح وإيديولوجيو الحركة الفلاحية الثورية ". كما أن ألمانيا هي التي ظهرت فيها الطباعة أولا ومن البلدان التي طبع فيها الإنجيل وأصبحت التعاليم المسيحية متاحة للجميع ووجدت الناس أن كثير مما يقوله الكاهن لا يوجد في الكتاب بالإضافة إلى أن الألمان شعب الفلسفة منذ قرون وأيضا شعب كانت له مع الكنيسة في روما مشاحنات . هذا كله يجعلنا نتفهم مواقف روزا لوكسمبورغ التي كانت مرنة مع الدين بالقياس إلى القادة الآخرين في بلدان أخرى ، أبعدت هي الأخرى الدين كدين من المواجهة ، وهاجمت السياسة الرجعية للكنيسة من موقع التراث المسيحي ، في مقالة لها في 1905 بعنوان " الكنيسة والاشتراكية " قالت : " إن القساوسة ، إذا كانوا يريدون مخلصين أن يطبقوا في حياة البشرية المبدأ المسيحي الذي يدعو إلي أن يحب المرء جاره حبه لنفسه ، يجب أن يرحبوا بالحركة الاشتراكية " .وتضيف : " فعندما يؤيد رجال الدين، الأغنياء ، الذين يستغلون ويضطهدون الفقراء ، فانهم يكونون في تناقض سافر مع التعاليم المسيحية : إنهم يخدمون العجل الذهبي لا المسيح .... وهذه القضية أي التعاليم الأولى تتولاها اليوم الحركة الاشتراكية التي تحمل إلي الفقراء إنجيل الإخاء والمساواة ، وتدعو الشعب إلي إنشاء مملكة الحرية وحب الجار على الأرض".
في روسيا كان تروتسكي قريبا من موقف روزا لوكسمبورغ والذي جعله يعتبر المعمدانية التي اختلفت مع المسيحية الرسمية في روسيا خطوة أولى على طريق السياسة الاشتراكية غير أن لينين هو الذي استطاع أن يبلور موقفا منسجما ويناضل ضد المواقف الفوضوية من الدين وفي نفس الوقت ضد مواقف التماهي معه بأي شكل من الأشكال . وقد اضطر خلال مسيرته أن يتدخل حتى في التفاصيل مثل كيف يتصرف الاشتراكيون مع اضراب في معمل فيه دينيون وفيه اشتراكيون ، وهل يقبل الديني داخل حزب العمال أو لا . وهل يمكن المشاركة في تظاهرة يقودها ديني أو لا ؟ 
وفي الحقيقة فإن لينين هو الذي رسم بشكل واضح المحددات السياسية للممارسة السياسية للاشتراكيين في علاقتهم بالدين : تجد لينين خلال الإضراب العام في مدينة بطرسبرغ في يناير عام 1905 أمر بالمشاركة في المسيرة التي تلت الإضراب وضمت 200 ألف عامل لتقديم عريضة إلى القيصر في 9 يناير، وانتهت بوقوع مجزرة على يد القوات القيصرية. وكان قائد المسيرة الكاهن غريغوري غابون، ، وهو أرثوذوكسي، والكنيسة الأرتوذوكسية كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدولة القيصرية، و بعض من كهنتها ،نظموا مجموعة "المئات السود"، العصابة التي كانت تهاجم العمال وأي معارض للنظام. ولكن كان لينين يعي أن داخل الكنيسة هناك تناقضات بين من له مصالح مادية مع الدولة ومن كان مؤمنا بتعاليم الدين التي تحض على الفضائل الانسانية.
ما هي هذه المحددات ؟
- مهاجمة وبقوة أي فكرة أو ممارسة دينية تسعى إلى تسويغ ما هو سياسي أو اقتصادي يكرس الاستغلال. وبالعكس تجنب أي صراع حول فكرة أو شعيرة ذات طبيعة دينية محضة وعدم السقوط في أي شكل من أشكال التحقير ضد الدين يقول لينين : "نحن نعارض تماما أدنى إهانة لمعتقداتهم الدينية".
- الدفع في أي معركة سياسية أو اقتصادية بالأساس المادي للمعركة وعدم السماح ببروز الخلافات ذات الطبيعة الدينية 
- نعم لشعار " الدين شأن خاص " في علاقة الدين بالدولة لكن بالنسبة للإشتراكيين كما يقول و يلح لينين " نحن غير معنيين بهذا الشأن الخاص " ، وهذا التأكيد يتطابق مع النضال ضد كل أشكال الايديولوجيا المزيفة التي تحجب الاستغلال سواء في ظل الدولة القسصرية أو في الدولة الاشتراكية وفعلا ستحصل مواجهات مع الدين بعد شهرين فقط من الثورة عندما أعلنت الدولة الفصل بينها وبين الكنيسة الأرثوذوكسية وحرمانها من الملكية الخاصة وجعل تسجيل الولادات والزواج والطلاق والتعليم من وظائف الدولة وحصلت كثير من النزاعات في المناطق بسبب أملاك الكنيسة , لكن أهم الأحداث الذي ولد قلاقل كبيرة كان لما صدر قرار يقول أن من أثبت أن الشعائر الدينية تمنعه من التجنيد يمكن إعفاءه من الخدمة العسكرية وهذا القرار أدى إلى نمو المعمدانية بشكل كبير لأن العائلات دفعت بأبنائها إلى الانتماء إليها لتجنيبهم التجنيد. فيما بعد عولج جزئيا بقرار مكمل بأن من تم إعفاءه ممن يتبع ديانة من الديانات تتوجب عليه الخدمة الطبية.
- توجيه الصراع الإيديولوجي إلى إحداث فرز بين الدينيين المرتبطين بالدولة القيصرية ويعيدون انتاج الايديولوجيا السائدة وبين عموم المتدينين الذين لا خلفية سياسية لهم .
واضح أن هذه المحددات لم تخرج عن سياق المبادئ الأساسية للمادية التاريخية الجدلية ، حاولت أن تستنبط من واقع روسيا في ذلك الوقت طريقا مرنا من جهة وحازما من جهة أخرى لكي يشق النضال السياسي والاقتصادي طريقه. 
ماوتسي تونغ لم يجار لينين كثيرا ولا جارى روزا لوكسمبورغ كان بين الإثنين لم يبحث عن إحداث قطيعة وسط المتدينين ولا لجأ إلى التماهي مع الدين في مراحله الأولى كما فعلت روزا لوكسامبورغ بل لجأ إلى حكماء بوذيين من تاريخ الصين مثل كونفوشيوس كانت أفكارهم تعبر عن أحوال المشاعية ويستدل بها لتعزيز طروحات الاشتراكيين وجذب الشباب المتدين إلى الاشتراكية .
الدين في أمريكا اللاتينية حالة خاصة ، من البداية كان مع الفلاحين ضد العصابات والمغامرين ولعل ما جعل الرهبان يصطفون من قديم مع الفلاحين هو أن الكنيسة كانت تختار من هو أكثر إيمانا بالمثل ومستعد أن يموت من أجل ذلك ولما بدأت الدول الديكتاتورية ووطدتها أمريكا وحرضت على القمع والتعذيب ... لم يجد الدين أي عائق كي يكون من جديد ضد الظلم السياسي والاقتصادي ضد أمريكا وضد الديكتاتورية و مع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية ، لهذا هو حالة خاصة ليس مثل الدين في أوروبا الذي له أحزابا سياسية وله مصالح اقتصادية كبرى وليس مثل الدين الاسلامي لأنه هو أيضا له جماعات سياسية وله مصالح ويسعى إلى السلطة في حين أن الدين في أمريكا اللاتينية لا يسعى إلى السلطة ولا مصالح اقتصادية كبرى ودائما مع القيم حتى وإن كان رافعوها اشتراكيون أو قوميون .... لهذا لا يمكن أن تجد اشتراكيا واحدا يمكن أن يصنف الدين في أمريكا اللاتينية ضمن الأشكال الإيديولوجية للدولة الديكتاتورية او إيديولوجيا لتسويغ دور الامبريالية في نهب ثروات الشعوب، بل على العكس كان الاشتراكيون يصنفون دائما الرهبان ضمن الفئات التي تقف مع شعوب أمريكا اللاتينية .
انتهى