المواضيع
recent

العقلية الفقهية 1 - ماذا تحتاج الحضارة كي تستمر ؟



الجواب على هذا السؤال بحاجة إلى دراسة طويلة لتاريخ المجتمعات والحضارات البشرية، لكن يمكن اختصاره في آخر المطاف بكلمة واحدة : التطور. ربما تختلف ظروف نشأة الحضارات إما بسبب اختلاف المناخ أو الأرض أو الظرف التاريخي، و تختلف بنفس الدرجة أسباب انهيار كل حضارة من الحضارات البائدة، من الحروب إلى المجاعات إلى الهجرة … لكن بقاء حضارة ما على قيد الحياة و استمرارها في الوجود و صناعة التاريخ يرجع أساسا إلى استمرارها في التطور و التجديد. التطور يعني الحركة ، و هو عكس الجمود و الركود ، و الركود مرادف الموت والزوال، لأنه الطريق المباشر إليهما. و كل الحضارات التي بادت و لم يتبق منها اليوم إلا أثر بعد عين، دمرها الركود و انعدام الحركة وعدم تطويرها لما بين يديها من أدوات الحياة و وسائلها مادية كانت أو فكرية.
والتطور والإبداع ليستا ميزتين يولد الإنسان حاملا لهما ، فلم يولد أحد مفكرا أو مجددا أو مخترعا ، بل إن هناك عوامل عدة تشكل المناخ الذي يحث الناس من مختلف الفئات على أن يصيروا مبدعين ، ما يدفع الحضارة التي يعيشون في ظلها إلى التطور والاستمرار. و أهم هذه العوامل في نظري هي الحرية: حرية أن ننتقد القديم و ندرس عيوبه ومحاسنه، و حرية أن نفكر في الجديد مهما كان غريبا أو صادما، ثم حرية أن نعوض القديم بالجديد ، الذي يدفع عجلة الحياة إلى الأمام، ثم ما يلبث بدوره أن تظهر عيوبه، و يصير هو الآخر قديما ، فنفكر في جديد آخر ليحل محله … وهكذا دواليك . إنها دورة تتغذى على الصراع بين القديم الذي أدى دوره و انتهى وقته وبين الجديد الذي ينتظر لحظة ميلاده و يحمل معه آفاقا جديدة ،دورة لا تنفك تتجدد لتجدد معها روح الحضارة و جوهرها، و تحرك حياة الانسان قدما. والعامل الثاني هو الانفتاح، لأن الإنسان بطبعه كائن يعتمد على بني جنسه، فلا يستطيع بناء الحضارة إلا إذا نهل من الحضارات التي حوله أو التي يحتك بها سواء بفعل المبادلات التجارية أو الحروب أو علاقات النسب و غيرها ، و هكذا فإن الحضارة الأوروبية أخذت الكثير من منجزات الحضارة الاسلامية -على ما في هذه التسمية من تجاوز يحتاج شرحه إلى تحليل مستقل- و الحضارة الإسلامية أخذت بدورها الكثير من الحضارة اليونانية، التي أخذت هي الأخرى كثيرا من الفينيقيين الذين أخذوا من المصريين … فلا توجد حضارة نشأت بمفردها منعزلة عمن حولها، و الأمثلة النادرة التي تحقق فيها ذلك فعلا -كمثل حضارات جزر المحيط الهادي- سرعان ما فقدت قدرتها على البقاء و التقدم. فعندما تحتك حضارتان ببعضهما، ترى كل منهما في الأخرى ما ينقصها، ماديا كان أو معنويا، فتتبناه و تبني عليه لتسير إلى الأمام و تستمر في الحركة ، و تعرف من خلالها عيوبها و قصورها في مجال معين، فتصححه و تحسن أداءها فيه ، فالانفتاح على الآخر و قبول التعامل معه بإعطائه و الأخذ منه هو سر من أسرار تطور الحضارات و بقاءها.

محمد بنموسى، كاتب و باحث
MARWA BIFISSE

MARWA BIFISSE

يتم التشغيل بواسطة Blogger.