العقلية الفقهية 2 - ما قبل العقلية الفقهية



عاشت الحضارة الإسلامية أوجها إبان ما يعرف بالعصر الذهبي، أي ما بين القرنين الثامن والخامس عشر للميلاد، وهي الفترة التي عرفت تطورا عظيما في إنتاج المعرفة و العلوم و الفلسفة، في شتى المجالات في المناطق التي حكمتها الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة في الشرق الأوسط ووسط آسيا وشمال إفريقيا و الجزيرة الإيبيرية، و قد كان ازدهارها عائدا بالأساس إلى العاملين الذين ذكرناهما آنفا: الحرية و الانفتاح. فقد عرفت هذه الفترة هامشا كبيرا من حرية التفكير و الكتابة، و حرية الاختراع و التطوير -و إن كانت قد عرفت فترات متقطعة من القمع الفكري- بدعم من الخلفاء الذين كانوا يميلون إلى دعم العلماء و المخترعين و يحرصون على أن يشركوهم في مجالسهم و يدعموا مشاريعهم، بل و كانوا يحبون أن ينظموا المناظرات بين أصحاب الأفكار المختلفة في مجالسهم و يستمعوا إلى كل طرف دون أن يقمعوا أحدا،فكانوا يقيمون المناظرات بين قادة الطوائف الدينية المختلفة المسلمة منها و غير المسلمة، و يقيمونها بين أصحاب المذاهب الفكرية المتعددة من معتزلة و أشاعرة و صوفية و غيرهم ، و كان المجتمع عموما يتقبل وجود هذا الاختلاف و لا يستنكر هذه الحرية على أحد، حتى و إن كان يضرب في أصول المعتقد الإسلامي كالمعري و الرازي و غيرهم. و أما الانفتاح، فقد كان أصل هذا التقدم العلمي و الثقافي، إذ أن صعود نجم الحضارة الإسلامية بدأ بحركة الترجمة التي قادها المسلمون و غير المسلمين من السريان و اليهود و الفرس، فأخذوا ينقلون مؤلفات الهند و بلاد فارس و اليونان و السريان و الأقباط إلى العربية، و يعرفون الناس عليها، ثم لم يكتفوا بذلك ، بل عكف بعضهم كالكندي و الفارابي على التعليق على هذه الأعمال القيمة و شرحها و إثراء محتوياتها، حتى صارت هناك فلسفة إسلامية مستقلة، تنهل من الفلسفات اليونانية و الهندية و غيرها . و إن كان هناك دائما من اعترض على نقل مؤلفات "الكفار و الزنادقة" و رفض انفتاح المجتمع على ما هو جديد عليه، إلا أن الحرية السائدة التي ذكرنا بعض مظاهرها سمحت بتجاوز هؤلاء، فأدى المزيد من الانفتاح إلى مزيد من الحرية حيث صار الخلفاء و الملوك أنفسهم مهتمين بالعلوم و الفلسفة ، بل إن بعضهم تبنى مواقف فلسفية و دينية متأثرة أشد التأثر بالفلاسفة اليونانيين و دافع عن الفلسفة و المشتغلين بها كموقف الخليفة المأمون الداعم للمعتزلة . و هكذا ، فإن الحرية تكفلت بحماية الإنفتاح، و الإنفتاح أعطى هامشا أوسع للحرية، فنتج عن ذلك الازدهار و التقدم في مختلف المجالات.

محمد بنموسى، كاتب و باحث