العقلية الفقهية 3 - نشوء العقلية الفقهية



كان سقوط بغداد بعد منتصف القرن الثالث عشر للميلاد ضربة معنوية كبيرة للحضارة الإسلامية، فبغداد كانت رمزا للسلطة المركزية التي توحد أقطارا واسعة ، و لكنها كانت في الوقت نفسه مركزا للعلوم و الفنون، حيث راكمت منذ بنائها في أواخر القرن الثامن مكتسبات عديدة ، فاجتمع فيها الفلاسفة و المفكرون و العلماء من كل صوب و حدب، و كثرت فيها المكتبات و دور النسخ و المدارس و المراصد الفلكية، فشكلت رمزية مهمة في العقل الجمعي للمقيمين في مجال الحضارة الإسلامية ، و امتد ذلك إلى من حولهم. و قد جاء سقوط بغداد أساسا بسبب الحملة العسكرية المغولية التي قادها هولاكو، لكن إرهاصات هذا السقوط كانت قد بدأت بالظهور فترة قبل هذه الحملة، فكثرت الصراعات الطائفية بين السنة و الشيعة و تحول بعضها إلى حروب أهلية، و ضعفت السلطة المركزية بسبب وجود خلفاء غير أكفاء على رأس الامبراطورية.
و بعد هذا السقوط، و الصدمة التي أعقبته، فقدت الحضارة الإسلامية مركزا علميا و ثقافيا مهما و أحست بدنو أجلها، فسلكت طريقا آخر لتحاول فهم ما حدث لها ، و هو طريق الفقهاء و رجال الدين. كان هؤلاء من المعادين للكثير من الفلاسفة و العلماء الذين اشتغلوا في بغداد و غيرها من الحواضر الإسلامية، و كانوا يرون أن حياة الترف و هامش الحرية الواسع الذي شمل الفنون و وسائل اللهو و الترويح عن النفس كالموسيقى و التشخيص و الرسم ، كانوا يرون ذلك بدعة محرمة و مروقا من الدين و تمنوا لفترة طويلة زواله، و كثيرا ما كلموا الملوك في ذلك، فكان لهم أحيانا ما أرادوا و أحيانا أخرى كانوا يرجعون خاليي الوفاض. و بعد سقوط بغداد، سارعوا إلى محاولة تفسير الكارثة التي حلت بالحضارة الإسلامية، لا تفسيرا علميا منهجيا يعطي الأمور قدرها، و يوضح أن ضعف الإدارة و غياب الرؤية و الاستراتيجية و التجهيز كانا السبب الرئيسي فيما حدث، بل ركزوا على أمرين اثنين ، أولهما قولهم أن تفشي المعاصي و البدع و الملاهي هو السبب الأهم في نكبة بغداد، فأخذوا يخطبون في الناس بأن انتشار الحانات و الغناء و اللهو و دور الدعارة و بدع الصوفية و الشيعة هو سبب سقوط بغداد، و الثاني قولهم أن الشيعة هم الذين تسببوا في سقوط بغداد بتآمرهم مع المغول و خيانتهم لاهل السنة و الجماعة ، و استدلوا على ذلك بشخصية الوزير ابن العلقمي الذي كان شيعيا جعفريا ، فقالوا أنه أضعف الجيش و سهل دخول المغول ، ليس لأنه كان فاشلا في الإدارة أو لأنه كان مختلسا أو لأنه وظف الجيش في صراعاته الشخصية، بل فقط لأنه كان شيعيا. و هكذا، أخذت العقلية الفقهية تعمي عن الناس الأسباب الحقيقية لمشاكلهم و مآسيهم، و تنسب هذه المآسي إلى البعد عن الله و إلى الآخر-العدو الذي يتربص بالمسلمين الأتقياء الدوائر و يعد العدة و يغتنم الفرصة للانقضاض عليهم. و هذه الدعوة في حقيقتها ليست دعوة للناس إلى طريق الله و اتباع الدين ولا دعوة إلى مناقشة الفكر الآخر ، سيعيا كان أو غير ذلك و مواجهته بالحجة، بل هي في العمق دعوة للناس كي يرتموا في أحضان الفقهاء، فهم الوحيدون الذين خول لهم معرفة طريق الله الذي سيعيد المسلمين إلى مجدهم، و هم الملجأ المضاد الوحيد للمسلمين كافة ضد الشيعة و الصوفية و اليهود و ضد الدنيا كلها ، الدنيا التي تكره المسلمين و تريد دمارهم. و هكذا ، فقد استخدم الفقهاء نفس أساليب تجار الحروب و الأزمات الذين يستغلون خوف الناس و هلعهم من المجهول و هزيمتهم لكي يسوقوا منتجاتهم، فحرض الفقهاء الرعب في نفوس الناس و استغلوا صدمة الهزيمة لكي يسوقوا هم أيضا منتجهم، و كان منتجهم هو الفقه. من هنا ولد اللجوء إلى الفقهاء عند كل مصيبة ، و طلب رأيهم و فتواهم في كل شيئ حتى فيما لا يخصهم و لا ينتمي إلى مجال علمهم و عملهم، و هو ما يمكن أن نسميه بـ "العقلية الفقهية" التي دمرت الحضارة الاسلامية في أقل من قرنين، و جعلت الأقطار المنتمية لمجال هذه الحضارة بلدانا راكدة جامدة لا تشارك في صناعة التاريخ، بل ترفض حتى أن تراه و هو يمر بجانبها مسرعا بينما هي واقفة عاجزة عن اللحاق به.

محمد بنموسى، كاتب و باحث