العقلية الفقهية 4 - عامل للركود



يكمن خطر العقلية الفقهية في أنها تقضي على العاملين الذين ذكرناهما كأساس لاستمرار الحضارة و تطورها: الانفتاح و الحرية.
ينظر الفقهاء إلى العالم بأسره بمنظار مقسم إلى قسمين: المسلمون و غير المسلمين. المسلمون خير أمة، أحباء الله الذين سيخصهم بجنته و برؤية وجهه، و كل من سواهم ، أيا كان لونه أو دينه أو ثقافته، هو الآخر المغضوب عليه، الضال الذي يعيش في ظلمة الـ "لا إسلام"، الجاهلي الذي لم يدخل بعد في مظلة الدين الوحيد الصحيح. هناك الداخل/الأمة/دار الإسلام ، و هناك الخارج/الكفار/دار الحرب ، و ليس بين هذين القسمين لون رمادي أو منطقة محايدة. و هذا الآخر/دار الحرب -حتى التسمية ذات دلالة عدائية مباشرة - هو عدو محض، يقضي كل يومه أو معظمه يخطط و يفكر لتدمير المسلمين الأطهار و إلحاق الهزيمة بهم حسدا منه و غيظا، فما الحل إذن عند الفقهاء؟
الحل عندهم هو أن نغلق علينا الداخل/الأمة في وجه مؤامرات و أفكار الخارج/الكفار، فلا نتعامل معهم، و لا نراهم و لا يروننا ، إلا في الحدود الدنيا التي تقضي بها الضرورة القصوى. و قد توسعت هذه الحدود بمرور الزمن و تقدم الغرب الكافر، فقد كانت في البداية ضيقة للغاية لا تتجاوز التعامل مع الكفار عبر الموانئ للتجارة و تبادل البضائع، ثم توسعت حتى صارت اليوم تشمل استيراد مخترعات الغرب و ارسال الطلبة إلى البلدان الأجنبية لدراسة علوم الكفار، و الاعتماد على التقنية الغربية الضرورية في كل مجالات الحياة ، و لكن النظرة خلف هذه الحدود التي توسعت بقيت هي نفسها: الغرب الكافر يحيك المؤامرات ضدنا و يخطط لتدمير الإسلام و كل ما يفعله هو نتيجة لعدائه لدين الله القويم، فلا يجب أن نذهب خلف حدود التجارة و التكنولوجيا، لا يجب أن ننظر إلى أفكار الغرب أو ثقافته و لا إلى مفكريه و فلاسفته و لا إلى نظمه السياسية المتقدمة و قوانينه التي تكفل حقوق الجميع على حد سواء. و هكذا، دمرت العقلية الفقهية عامل الانفتاح، فأصبحنا في سجن أغلقناه نحن على أنفسنا ظنا منا أننا نحتمي من الآخر/الكافر، و صرنا عاجزين على نرى في هذا الآخر نواقصنا و عيوبنا لنصححها كما هي سنة التاريخ، و كل من تجاوز الحدود و حاول استيراد شيئ من عند الآخر/الكافر يظهر به تقهقرنا و تقدمهم، يواجه تهم الضلال و "التغرب" و ربما العمالة و الخيانة.
و الخاصية الثانية التي تميز نظرة الفقهاء للعالم، هي أنهم يرون أنفسهم الممثلين الحصريين للداخل/الأمة ، و كل من خالفهم الرأي أو الفعل،و إن كان من المسلمين المخلصين، فهو خارج الدائرة، و ليس هناك خارج الدائرة سوى الآخر/الكفار ، و أدى هذا إلى دمار الحرية، حرية النقد و حرية البناء خارج الدائرة الضيقة للنظرة الفقهية، فكل من ينتقد مارق، و كل من يجادل زنديق، و كل من يجدد مبتدع ، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة في النار، النار التي هي نفسها مصير كل الآخرين/الكفار.
و هكذا، أدى غياب الانفتاح إلى طمس الحرية، و أدى المزيد من طمس الحرية إلى مزيد من الانغلاق، و هكذا دواليك، حتى صرنا في زنزانة محكمة الإغلاق، و داخل هذه الزنزانة، لا يحق لنا التساؤل عن سبب سجننا و لا التفكير في طريقة للهرب من السجن.

محمد بنموسى، كاتب و باحث