العقلية الفقهية 5 - مقاومة التطور



بعد أن تمر فترة تاريخية طويلة على حضارة ما و هي في حالة انغلاق على نفسها ترفض -أو لا تستطيع- أن تتواصل مع العالم حولها، يسبب أي تواصل مفاجئ صدمة حضارية بسبب الفوارق الضخمة التي تنشأ عن قرون من التقدم على ضفة و قرون من الركود على الضفة الأخرى. هذه الصدمة هي ما حدث لحضارتي الإنكا و الآزتك، فكان مصيرهما الدمار الكلي على يد الأوروبيين المتفوقين عسكريا و تقنيا -شمل تفوقهم حتى المناعة ضد أمراض معدية- ، و هي ما حدث أيضا لليابانيين أمام الأوروبيين و الأمريكيين المتفوقين تقنيا و عسكريا، فأدى بهم إلى فهم الحقيقة و تقبلها ثم التطور السريع و تبني مكتسبات الغرب العلمية و التقنية و الفكرية . لكن ما حدث للحضارة الإسلامية كان مختلفا، يجمع بين الحالتين السالفتين و لكنه يختلف عنهما في النتيجة.
بعد فترة من الانغلاق قاربت أربعة قرون، كانت أوروبا تتطور فيها و تعرف الثورة تلو الثورة في السياسة و الفكر و الصناعة و الاقتصاد، اصطدم عالم الحضارة الإسلامية المنهارة بعالم الحضارة الغربية المزدهرة، و حدث هذا الاصطدام على مرحلتين. المرحلة الأولى كانت في أواسط القرن التاسع عشر، حين سافر بعض الطلبة من مصر و المغرب إلى أوروبا، و رأوا تقدمها و حضارتها و قارنوها ببلادهم، فظهر لهم الفرق جليا، و عادوا و كتبوا عما رأوه و ما عايشوه و عما دار في خواطرهم من المقارنات بين الداخل و الخارج. كانت تلك الصدمة الأولى ، و كان أثرها على المجتمع الاسلامي عموما أثرا خفيفا ، لم يتجاوز بعض المتنورين و الداعين إلى الإصلاح. أما المرحلة الثانية، و كانت الأشد وطأة ، هي المرحلة الاستعمارية ، و التي بدأت مع الحملة الفرنسية على مصر ، ثم ما تبعها من استعمار انجليزي لمصر و الشام و استعمار فرنسي للمغرب و تونس و الجزائر. عند هذا الصدام الذي لم يخل من الدموية، اتضح للشعوب الاسلامية مدى الوهم الذي كانت تعيش فيه، و الذي كان الفقهاء يسوقونه لها، حيث كانت تظن نفسها خير أمة و أنها أكثر الشعوب تحضرا و رقيا و أن كل من سواها من الآخرين/الكفار ليسوا سوى همج لا يكادون يعرفون عن الرقي و العلوم شيئا يذكر لأنهم في الأصل لم يتبعوا الدين الصحيح، دين أمة الله المفضلة، و انبرى أولئك المثقفون الذين سافروا إلى أوروبا و عاشوا في بلاد المستعمر، ابروا يوضحون حقائق الأمور لشعوبهم، و قد انتشرت بينهم فكرة مفادها أنه بعد الاستقلال و خروج الاستعمار الأجنبي، فإن هذه المجتمعات التي وعت تخلفها و عرفت أسبابه و عاينت مكامن الخلل فيها من خلال احتكاكها مع حضارة أخرى أكثر تطورا، ستقوم هي الأخرى بتطوير نفسها و اللحاق بركب التقجم و الإنسانية، و أنها لن تقبل بالبقاء في مؤخرة الأمم بعد ذلك.
لكن اليوم، و بعد مرور عقود طويلة على جلاء المستعمر، نرى أن هذه الشعوب لم تتقدم قيد أنملة، فلا هي تنتج الفكر و العلوم، و لا هي امتازت في الفنون ، و لا هي تفوقت في التنظيم و الإدارة … بل لم تلبث هذه الشعوب أن ازدادت تخلفا و انغلاقا بعد رحيل الاستعمار، فانتشرت الأمية و سادت الرجعية و الظلامية و الفكر السلفي الذي يقدس الأجداد و ماضيهم. يبدو أن شعوبنا، حتى بعد أن اصدمت بواقعها إبان الاستعمار لم تستطع الانعتاق من العقلية الفقهية، فالشيوخ و الفقهاء لم يكذبوا بخصوص كون مجتمعاتهم متخلفة، بل واجهوها بذلك -ولاموها عليه- ، و لكنهم كذبوا حين أرادوا أن يشرحوا للشعوب أسباب تخلفها عن طريق الفقه مرة أخرى، فبرزت مجددا مبررات سقوط بغداد على يد هولاكو، لتشرح سقوط القاهرة و تونس و دمشق و فاس و وهران في يد الجنرالات الأوروبيين، فالاستعمار عقاب من الله على ذنوبنا، و التخلف سببه الوحيد هو عدم تطبيقنا لشرع الله و أوامره . لم تستطع مجتمعاتنا التخلي عن العقلية الفقهية القدرية، التي لا تتعب نفسها للبحث عن تفاسير علمية للواقع، بل تفسر كل شيئ على أنه قضاء من الله و قدر مكتوب، فانتقلنا من الفكرة التي كانت سائدة أيام انغلاقنا ، و التي مفادها أننا سادة العالم و ملاكه و خير أممه و هذا هو قدرنا و قضاء الله لنا، فلا نحتاج إذن إلى الجركة بحرية، و لا إلى الانفتاح على الآخر و التعامل معه ، انتقلنا من هذه الفكرة إلى فكرة أخرى جديدة، لكنها لا تختلف عما سبق، فأصبحنا نعي أننا أمة متخلفة بسبب ذنوبها و الغرب متقدم -لا يذكر أحد من الفقهاء السبب في التقدم- و هذا هو القضاء و القدر و ما كتبه الله علينا، فلا نحاول تغيير قدرنا بل نستسلم له و نجلس حيث نحن نتذكر أمجاد الماضي و نقتات عليها. حتى الاستعمار و صدمته الحضارية لم يؤثر فينا كما أثر في الهند و الصين و اليابان و كوريا، بل أدة إلى نتيجة عكسية تماما، فبعد أن كنا ننتج القليل بفلاحتنا البدائية في البوادي و صناعتنا الجنينية في المدن، صارت بوادينا لا تنتج لنا بل للخارج الذي نعيد استيراد ما صدرناه إليه منه ، و صارت مدننا غابات من الاسمنت و الصفيح ، يكسوها قشر المدنية و التقدم ، لكن جوهرها يؤوي التخلف و الانغلاق، و صرنا لا نستهلك إلا ما يأتينا من الخارج جاهزا معلبا ، سواء كان فلاحيا أو صناعيا أو فكريا، و بعد أن كان لنا سيد واحد هو الخليفة ظل الله في الأرض، صار لنا أسياد لا يعدون و لا يحصون من البورجوازيين و الطغاة المحليين إلى كبار رأسماليي العالم الطين صاروا يملكون رقابنا بأسلحة المال و الاقتصاد.
إن العقلية الفقهية لا تزال حتى اليوم مسيطرة على مجتمعاتنا، حينما نجلد الناقدين، و نغتال المفكرين، و نسجن الكتاب، و حين نرفض الديمقراطية و ندعو الى قوانين القرون الوسطى، حين نهمش المرأة و نرفض مساواتها بالرجال، حين نقدس الحاكم و نضعه في موضع الله … و لا حل لنا للانعتاق من هذه العقلية إلا بشيئين اثنين : الحرية و الانفتاح.

محمد بنموسى، كاتب و باحث