المواضيع
recent

يوسف المساتي - سلام عليك وأنت تعدين قهوة العصر


حشرجة تحمل حزنا تنوء به الجبال .. همهمات غير مفهومة تخنقهاالعبرات ..كذلك كان صوت أمي وهي تنقل إلي الخبر/الصاعقة .. اختنقت الكلمات رافضة أن تتم الجملة وأن تعترف بالحقيقة .. توقفت الأرض لتستعيد توازنها بعدما أرعبها صدى الكلمات/الرصاصات .. ماتت جدتك .. ماتت جدتك ..كلمات مختنقة أتبعها صمت أمسى دهرا.
    أغمضت عيناي .. طارت ذاكرتي تطوي المسافات والسنين .. والأمكنة .. توقفت هناك .. في أقصى زاوية البهو .. حيث كانت تفترش الأرض كعادتها .. وعيون أبنائها وأحفادها ترنو إليها ..كنا نتطلع إلى معداتها الموضعة أمامها كسلاح ثائر في إحدى الجبال النائية .. فيما تجلس كقائد حربي يعطي تعليمات اللحظة الأخيرة .. وكلنا في انتظار ساعة الصفر.
    يرتفع آذان العصر معلنا ساعة الصفر .. تتناول جدتي معداتها .. توقد نار قنينة الغاز الصغيرة المخصصة فقط لهذه اللحظة .. وتبدأ في إدارة معركتها .. وعيوننا مصوبة على تلك القهوة المطبوخة في ذلك الإناء حيث تختلط نراتنا بالرغبة والحيرة والدهشة والفرح .. تنتهي معركة النار .. تحفظ جدتي نصيب الغائبين .. وتوزع الباقي على الحاضرين .. فنمسي كالعائدين بغنائم الغزوات منتشين فرحا وبهجة.
    أغمض عيناي ..أتذكر .. لحظات النشوة .. الابتسامة .. فرحنا الطفولي .. تسابقنا إلى المنزل مع آذان العصر لحضور قداس مساء جدتي وهي تعد قهوة العصر  وصلاتنا الجماعية بكؤوس القهوة .. أتذكر  تسابقنا إلى المنزل ظهيرة كل جمعة في انتظار إحياء قداس الجمعة والتهام الكسكس واللبن كما يتناول المسيحيون النبيذ والخبز.
    أغمض عيناي .. أتذكر لحظات مرضها الأخير .. اصرارها أن تعد قهوة العصر .. التي دوما تكون بنفس اللذة مقاومة ما تعانيه من محن .. لتظل رمزا لكبرياء ثمانينية قاومت جبروت الزمن .. حاملة على كاهلها آلام وأنات أجيال رأتها قديسة لم تنكسر حتى رحلت على فراشها الأخير ..
    اغمض عيناي .. أتذكر .. أتساءل .. أتراها كانت صدفة أن تختار زوال يوم الجمعة لترحل عن هذه الدنيا في نفس ساعة اجتماعنا المعتاد على مائدة الكسكس؟ هل أعدت الكسكس كما كانت تفعل كل جمعة؟ أم لعلها واجهت الموت ورفضت أن يغير شيئا من عاداتها؟  هل أعدت قهوة العصر؟ كيف كان طعمها؟ تراه كيف سيصبح ذلك الركن بدونها؟ اتراها ستواصل عاداتها هناك في عالمها الجديد الذي سبقها إليه كثير من أبنائها الذين رأيت كيف بكتهم واحتضنتهم جثثا هامدة ثم عادت قوية تبتسم لآلام الزمن؟ تراه كيف سيصبح مكانها فارغا بدونها وبدون بسمتها التي كانت توزعها علينا لتنثر الفرح؟ تراه كيف سينظر جدي الى مكانها الفارغ الذي أنسته فيه أكثر من ستين سنة؟
     ترانا كيف سنتجرع مرارة غيابك يا من لقبك والدي يوما حكيمة العائلة وقلبها النابض؟ تراه كيف سيكون عالمك الجديد؟ كيف ستمضين العصر هناك؟ .. أتراك ستعدين القهوةكما كنت تفعلين هنا كل مساء.
    تراك تعرفين الآن؟ تراك تشعرين؟
    سلام عليك وأنت تعدين الكسكس.. سلام عليك وأنت تنشرين الفرح على من حولك .. سلام عليك وأنت تعدين قهوة العصر .. سلام عليك حية .. سلام عليك ميتة ..

يوسف المساتي
الجمعة 03 مارس 2016
22:46
MARWA BIFISSE

MARWA BIFISSE

يتم التشغيل بواسطة Blogger.